يا عبادي
اضيف بتاريخ : Mar 5, 2010
اضيف بواسطة :

 

 يا عبادي

 

الجمعة 19/ ربيع الأول/1431

 

الحمد لله ، من عرف لطفه ثنى عطفه إليه وأدلج ، ومن أيقن قدومه عليه ، ووقوفه بين يديه ترك ذنبه وتحرج .

أحمده سبحانه ، عدة ما أوقد من نيران الهدى وأجج .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، حليم غفور ، ودود شكور ، فإن غضب مكر بالعبد واستدرج ، وينزل إلى السماء كل ليلة ، فأين من يناجي ، وأين من يتوب ، ومن لسانه بالاستغفار يلهج .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، جاء بالنور ، فاندرس الظلام بهديه ، ولاح الفجر وتبلج ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه طريقهم هو الطريق ، ومنهجهم هو المنهج .

أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله ، فإن تقوى الله ستر من النار ، وسبب لدخول الجنة ، وبالتقوى تزاح الهموم ، وكل ضيق يبتلى به المتقي فعند الله منه المخرج .

معاشر المسلمين : في نصوص الشريعة غنية للمتدبرين ، وسلاح للمجاهدين ، وتثبيت للعاملين ، وزاد للمسافرين .

ومن بستان سنة الحبيب ، صلى الله عليه وسلم ، أقطف لكم اليوم ثمرة تزودنا للمسير ، وتعيننا على الوقاية من عذاب السعير .

وهذه الثمرة لا تحتاج مني إلى تحقيق ، ولا إلى شرح عليها أو تعليق ، لكنها تحتاج قلبا صادقا ، يفقه القول ، وذهنا صافيا يتدبره ، وأذنا صاغية تستمع إليه ، متى تحقق ذلك خر القلب لله صاغرا ذليلا ، معترفا بفقره ، مقرا بشدة الحاجة إليه ، واعترفت النفس مرغمة أنها لا يمكن لها إلا أن تستعين بربها ، وتتوكل عليه .

فاستمع إلي – يا رعاك الله – بأذن قلبك ، لا بأذن رأسك ، وانقش ما ستسمعه في سويداء الضمير ، ليهتز ، ويربو وينبت من كل زوج بهيج ، ينبت لك لله ذلا وانكسارا ، ولنفسك معرفة واستصغارا ، فلا بد لها حينئذ أن تخشع وتذل ، وترفع الكف مناجية مولاها ، راجية منه جنة ، وخائفة أن تصلى  نارا .

استمع إلي لا لتنقد ، ولا لتعلم فتتوانى وتقعد ، أو عن فوائدها تفر وتبعد ، ولكن استمعها لتعمل ، ولا تعجز ولا تكسل .

استمع إلي واحفر لما ستسمعه في قلبك أخدودا ، لترتوي من رحيق جناه عروقه ، فتنبت أزهارا وورودا ، فيقبل على الله ، اقبالة لا يجاوز معها لله محارما أو حدودا ، وإياك أن تغلق أبواب قلبك  فيصد عنها صدودا .

استمع أيها المسلم حديثا يرويه الإمام مسلم ، من حديث أبي ذر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه عن ربه جل وعلا أنه قال :  يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي  كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لوأن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لوأن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم  كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لوأن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل واحد منهم مسألته ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .

فيا مسلم ، يا عبد الله ، إن كنت ترى نفسك داخلا في قوله ( يا عبادي ) إذا قد عرفت فالزم ، والله تعالى أجل وأعظم ، وأجود وأكرم ، لا يرد من قصده ، ولا يخيب من عبده ، فإذا سألت فسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واستغفر لذنبك ، وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار . أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه .

 

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله ، ذي العز والكبرياء ، قصم ظهور الجبابرة بقوته ، وذلت له طائعة جباه الأتقياء .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، قهر جميع الخلق بالموت ، وتفرد بالبقاء . فله الملك يوم ينفخ في الصور ، فتنكدر النجوم وتنفطر السماء . ويقف الظالمون بين يديه شاخصة أبصارهم وأفئدتهم هواء .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، سيد الرسل ، وأعظم الأنبياء ، تركنا على المحجة البيضاء ، ليلها ونهارها  سواء ، فالسعيد من سلكها ، وتمسك بحبلها ، فكان من الأولياء ، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، تحيتهم في الجنة السلام ، والحمد لله خاتمة الدعاء . صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، كانوا لرسالته ودينه خير مبلغ ، ومطبق ، نعم الأصحاب الأوفياء ، ونعم الأمناء ، وسلم تسليما .

أما بعد ، فتقوى الله خير الزاد ، والمنقذ من خزي وهول  يوم المعاد ، وبها تنال السعادة ، وتفوز بالزيادة ، وتحظى بها في دنياك بالمعية ، وتنزل عليك السكينة عند نزول المنية ، فكن يا عبد الله من المتقين ، تفز بمحبة رب العالمين ، فقد أخبر سبحانه أنه يحب المتقين .

واعلم أيها الحبيب أن ملك الموت قد تركك إلى غيرك ، وليس بغافل عنك ، فيوما ما سيترك غيرك إليك ، فكن على حذر ، وعد إلى كتاب ربك وتأمل { إن إلى ربك الرجعى } وانظر يا عبد الله  حولك ، وتدبر حال من مضى قبلك  { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا } .  

فالبدار البدار ، فوالله ما من منزل يوم القيامة إلا الجنة أو النار ، وكل نفس بما كسبت رهينة ، فخذ من صحتك لسقمك ، ومن فراغك لشغلك ، ومن شبابك لهرمك ، ومن غناك لفقرك ، ومن حياتك لموتك ، وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ، استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها .

فخذ يا عبدالله حذرك ، وجهز عذرك ، واستعد للقاء ربك ، حين تعرض عليه ، لا تخفى منك خافية ، فالموت يأتي بغتة ، وليس بينك وبين القيامة إلا أن يقال : فلان مات ، وتأمل كم بين حفظه الله ، ورحمه الله ، فما هي إلا لحظات ، وكل مكا هو آت آت ، واعلم أن باب التوبة مفتوح لا يغلق حتى تغرغر ، فسارع منه بالولوج ، قبل أن تعطى من الدنيا تأشيرة الخروج .

ألا وإن من أعظم الزاد ، لأهوال يوم المعاد ، كثرة الصلاة والسلام على خير العباد ، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما . 

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى . اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحينا إذا علمت الحياة خيرا لنا ، وتوفنا إذا علمت الوفاة خيرا لنا ،،،

  

 

 

 


اضافة تعليق
عنوان التعليق:
اسمك:
بريدك الالكترونى:
التعليق:
 


D.B : lg.com.sa

جميع الحقوق محفوظة لفضيلة الشيخ عادل الكلباني