والحياء شعبة من الإيمان
اضيف بتاريخ : Feb 8, 2010
اضيف بواسطة :

 

 والحياء شعبة من الإيمان

 

الجمعة 2 / جمادى الآخرة / 1426

 

الحمد لله ، ظهر لأبصار البصائر عيانا ، علا فوق عرشه ، ولا يخفى عليه شيء من أمرنا ، وهو السميع البصير ، يسمعنا ، ويرانا .

أحمده سبحانه ، على كل ما أنعم به ، وأسبغ من ظاهر  النعم وباطنها ، وأولانا ، وعلى ما شرح به صدورنا للإسلام ، وهدانا .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة ترسخ اليقين ، وتدفع الشك ، وتزيد القلب إيمانا .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، المرسل على شجرة الشرك فرعت من الفساد والضلال أغصانا ، فهوى عليها بسيف الحق فقطع جذورها ، وزرع من الحق والعدل بستانا . صلى الله عليه ، وعلى آله وصحبه ، كانوا أنصارا له وأعوانا ،  وكانوا فيما بينهم متحابين إخوانا ، وسلم تسليما .

أما بعد ،،، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فإنها ملاك الأمر كله ، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا . واعلموا أن الله مع المتقين .

معاشر المسلمين : الحياء خلق إسلامي رفيع ، لا يأتي إلا بخير ، اشتق اسمه من الحياة ، ومنه الحيا للمطر ، لكنه مقصور ، يعني بغير همزة . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم ، من حديث أبي هريرة في الصحيحين أنه قال : الإيمان بضع وسبعون – أو بضع وستون – شعبة ، فأفضلها : قول : لا إله إلا الله ، وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان . وإنما أفرد الحياء بالذكر هنا لأنه ، أي الحياء ، هو الداعي إلى بقية الشعب ، فالحيي يخشى الفضيحة في دنياه ، وفي أخراه ، فيأتمر وينزجر .

والحياء ، يعني الانكسار والتغير الذي يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به . فهو خلق يبعث المتخلق به على أن يجتنب كل ما قبح من أمر الدنيا والآخرة . ويقوده إلى عدم التقصير في حق من له حق عليه ، فيؤدي ما طلب منه أو يزيد عليه حياء منه . قال الراغب في مفردات القرآن : والحياء : انقباض النفس عن القبائح وتركه . لذلك . اهـ .

عباد الله : الحياء  من صفات الحي القيوم جل جلاله ، كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ، وغيرهما ، من حديث سلمان رضي الله عنه ، يرفعه : إن ربكم حيي كريم ، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا . قال ابن حجر رحمه الله : وسنده جيد . ومعنى صفرا أي خالية .

ويا له من حديث مثير للعجب ، أن يستحيي المولى جل جلاله من عبد من عبيده ، يسأله ، ويلح عليه ، ويرفع يديه في السؤال ، زيادة في التضرع والتذلل ، فلا يرده خالي الوفاض ، بل يجيب دعوته ، حياء منه ، وينعم عليه ويفضل مع كون السائل عبدا له ، وكل ما فيه من أمر فهو منه تبارك اسمه ، فلله الحمد والمنة على ما تفضل وأنعم . وفي الأثر : ما أنصفني عبدي ، يدعوني فأستحيي أن أرده ، ويعصيني ولا يستحيي مني !!!  

ومن حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يغتسل بالبراز ، بلا إزار ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله عز وجل حيي ستير ، يحب الحياء والستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر . رواه أبو داود ، والنسائي ، والبيهقي . وأما ما يروى من حديث عائشة : إن الله يستحيي أن يعذب شيبة شابت في الإسلام . ويروى بلفظ : إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه .  فهو حديث ضعيف ، لا يثبت .

ومما يدل على أن الحياء من صفات الحق تبارك وتعالى ما ثبت من حديث واقد الليثي رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه ، إذ أقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذهب واحد ، قال : فوقفا على رسول الله صلى الله عليه سلم ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما الثالث فأدبر ذاهبا . فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله ، وأما الآخر فاستحيا ، فاستحيا الله منه ، وأما الآخر فأعرض ، فأعرض الله عنه . أخرجه مالك في الموطأ ، والشيخان في صحيحيهما .

وأما في القرآن فإنما ورد الفعل نفيا ، كما في قوله تعالى : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ، بعوضة فما فوقها . وفي قوله جل وعلا : والله لا يستحيي من الحق . كما ورد نفي الاستحياء عنه جل جلاله من الحق ، في حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت : جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحيي من الحق ، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، إذا رأت الماء . أخرجه مسلم .

قال ابن القيم رحمه الله في نونيته :

وهو الحيي فليس يفضح عبده

                           عند التجاهر منه بالعصيان

لكنه يُلقي عليه ستره

                      فهو الستير ، وصاحب الغفران

قال يحيى بن معاذ : سبحان من يذنب عبده ويستحيي هو .

أيها المسلمون : لقد كان الحياء من صفات نبينا صلى الله عليه وسلم ، ففي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها ، فإذا رأى شيئا يكرهه ، عرفناه في وجهه . أخرجاه .  وعن سهل بن سعد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حييا ، لا يسأل شيئا إلا أعطى . رواه الدارمي ، بسند ضعيف ، وأصله في مسلم .  

ألا ، إن خلقا كريما كالحياء لحري بالمسلم أن يتصف به ، مقتديا بمولاه جل جلاله ، متأسيا بنبيه صلى الله عليه وسلم ، عالما موقنا أن الحياء لا يأتي إلا بخير . وقد مر عليه الصلاة والسلام برجل – وهو يعظ أخاه في الحياء – فقال له دعه ، فإن الحياء من الإيمان . أخرجاه . وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه : الحياء خير كله .  وفي مسند أحمد ، والسنن  من حديث أنس رضي الله عنه : ما كان الفحش في شيء إلا شانه ، وما كان الحياء في شيء إلا زانه .

وقال الحسن رحمه الله : أربع من كن فيه كان كاملا ، ومن تعلق بواحدة منهن كان من صالحي قومه : دين يرشده ، وعقل يسدده ، وحسب يصونه ، وحياء يقوده . وقالت عائشة رضي الله عنها : رأس مكارم الأخلاق الحياء .

وصدق القائل :

إذا لم تخش عاقبة الليالي

                            ولم تستحي فافعل ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير

                             ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

يعيش المرء ما استحيا بخير

                            ويبقى العود ما بقي اللحاء

وقال الأصمعي : سمعت أعرابيا يقول : من كساه الحياء ثوبه ، لم ير الناس عيبه .

  معاشر المؤمنين : إن حياء الرب جل جلاله ، ترك ما لا يليق بسعة رحمته ، وكمال جوده ، وعظم كرمه ، وواسع عفوه ، وجميل حلمه . فهو حياء كمال ، و كرم ، وبر وجود وجلال .  والعجب من العبد يجاهر الله بالمعصية ، مع شدة فقره إليه ، وضعفه الكامل بين يديه ، بل يستعين بنعمته على معصيته ، ويجعل المولى الكريم ، العفو الحليم أهون الناظرين إليه ، فيستحيي من الخلق ، ولا يقيم وزنا للخالق ، يراه ، ويسمعه ، فيفعل الفواحش والمعاصي ، ويسمع المحرمات من الملاهي ، موقعا هذه الآية عليه من حيث لا يشعر ، فكأنه بلسان حاله يقول : أي رب أنا من هؤلاء الذين قلت فيهم : يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ، وكان الله بما يعملون محيطا .

عبدَ الله : ألا تستحي من الله ؟ حين يراك حيث نهاك ، ويفقدك حيث أمرك ! أما تستحي من الله ، إذ يأمرك فلا تقيم لأمره وزنا ، وينهاك فلا تعيره اهتماما ، ألم تعلم بأن الله يرى ؟ وأن الله كان على كل شيء رقيبا ؟ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

ألا فاعلم يا عبد الله ، أنك حين تفعل ذلك فلست بمستح من الله ! فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت . أخرجاه . فهذا معناه أن من لم يستح صنع ما شاء ، وهذا هو الحق ، فإن من استحيا من الله لم يعصه ، وعلى قدر قوة الحياء في قلب العبد تكون حياته الإيمانية . فالحياء ، حياة القلب المؤمن . قال ابن عبد البر : الحياء نظام الإيمان ، فإذا انحل النظام ، ذهب ما فيه . وفي تفسير قوله تعالى : ولباس التقوى . قالوا : الحياء . وقيل : الوقار من الله . فمن رزقه الله الوقار فقد وسمه بسيما الخير .

عبدالله : لما كان الحياء شيمة للمؤمنين ، وخلقا للمتقين ، كان من أشد خوفهم أن يخزيهم مولاهم ، وأن يفضح ما استتر من خطاياهم ، فلجوا بهذا الدعاء : ولا تخزنا يوم القيامة . وبهذا الدعاء نادى الخليل ، عليه السلام ربه فقال : ولا تخزني يوم يبعثون . وجعل الله يوم القيامة الخزي والسوء على الكافرين . و من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : إن الله عز وجل يدني المؤمن ، فيضع عليه كنفه ، ثم يسأله فيما بينه وبينه : ألم تفعل كذا ، يوم كذا ؟ حتى إذا قرره بذنوبه ، وأيقن أنه قد هلك ، قال له : سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم . أخرجه الشيخان . فتأمل كيف جعل الستر في الدنيا ، والمغفرة في القيامة ، ثمرة للحياء . فإن المؤمن لم يجاهر بمعصيته ، وليس هو بمعصوم .

إخوة الإسلام : لما كان جل وعلا حييا ستيرا ، فإنه سبحانه يحب أهل الحياء ، ويحب الستر ، وفي الحديث : من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ، متفق عليه . وفيه أيضا : كل أمتي معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ، ثم يصبح وقد ستره الله ، فيقول : يا فلان ، عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره ربه ، ويصبح يكشف ستر الله عنه . أخرجه الشيخان .

ومراعاة للحياء ، وللستر فقد توعد الله تعالى مشيع الفاحشة في المؤمنين فقال : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة . فإذا كان هذا الوعيد لمن أحب ، فكيف بمن أشاع ؟

وصدق القائل :

إذا لم تصن عرضا ، ولم تخش خالقا

                   ولم ترع مخلوقا فما شئت فاصنع ِ

أمة الإسلام : الحياء ، من شيم السلف الصالح رضي الله عنهم ، كما قالت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها ، لأسماء حين أدركتها الوفاة : إني لأستحي أن أخرج إذا على الرجال ، من خلاله جسمي ، قالت : أولا نصنع لك شيئا رأيته بالحبشة ؟ فصنعت النعش ـ فقالت : سترك الله كما سترتني .

وكان أبو موسى يغتسل في البيت المظلم حياء من الله .

وخرج زيد بن ثابت رضي الله عنه ، يريد الجمعة ، فاستقبل الناس وقد رجعوا منها ، فدخل دارا ، فقيل له ، فقال : إنه لا يستحيي من الله من لا يستحيي من الناس .

وقد أخبر المولى جل جلاله عن بنت صالحة لعبد صالح فقال في قصة موسى : فجاءته إحداهما تمشي على استحياء .

وقال بعض السلف : علمت أن الله تعالى مطلع علي ، فاستحيت أن يراني على معصية .

وكان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة ، ويصوم حتى يخضر ويصفر ، فلما احتضر بكى ، فقيل له : ما هذا الجزع ؟ فقال : مالي لا أجزع ، والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه مما قد صنعت . إن الرجل ليكون بينه وبين آخر الذنب الصغير ، فيعفو عنه ، فلا يزال مستحيا منه . 

فإلى الله المشتكى ، وهو المستعان ، من حالنا ، وقومنا ، حين ضاع هذا الخلق الرفيع بيننا ، فأصبح منا من لا يستحي من الخلق ولا الخالق ، وصدق نوح حين قال لقومه : ما لكم لا ترجون لله وقارا ، وقد خلقكم أطوارا ؟ وصدق حبيبنا صلى الله عليه وسلم حين قال : استحيوا من الله حق الحياء . قالوا : إنا نستحي يا رسول الله . قال : ليس ذلكم ، ولكن من استحيا من الله حق الحياء ، فليحفظ الرأس وما وعى ، وليحفظ البطن وما حوى ، وليذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء . رواه الترمذي ، والحاكم ، وصححه ، وأقره الذهبي ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع .

فاتق الله عبد الله ، واعلم أن أعظم الحياء ينبغي أن يكون من أعظم الناظرين إليك ، فاستح ممن لا تخفى عليه منك خافية ، وتتقلب في نعمته وإحسانه وفضله ليلك ونهارك ، ولا غنى لك عنه طرفة عين ، يراك حين تقوم ، وتقلبك في الساجدين ، أو مع الغافلين ، أو بين المعرضين ، أو في خضم المذنبين ، وتمثل بهذين البيتين على الدوام :

وإذا خلوت بريبة في ظلمة

                          والنفس داعية إلى العصيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها

                           إن الذي خلق الظلام يراني

وصدق الحق حين قال : وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين .

بارك الله لي ولكم ،،،،

 

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه .

أحمده سبحانه ، حمدا يوصل الحامد له به إلى رضوانه .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، تعظيما لشأنه ، ومنجية لي  من عقوبته ونيرانه .  وموجبة لي بحبوحة جنانه .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، دعى من أراد النجاة أن يعمل لها ، بقلبه ، وجوارحه ولسانه ، صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وإخوانه ، وسلم تسليما .

أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله ، واعلموا أن خير الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ،،، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة ، ومن شذ شذ في النار ، ثم اعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم ، وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم ، وقدموا عذركم ، واستعدوا للعرض الأكبر على الله ، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية .

عباد الله : يقول القرطبي : فيجب على كل مكلف أن يستحيي من خالقه ، وذلك بأن لا يراه حيث نهاه ، وذلك أن المؤمن يقتضي تعظيم من آمن به ، فينزجر عن القبائح حياء من نظره إليه ، حتى كان بعضهم لا يغتسل إلا وعليه مئزر يستره . اهـ .

ومن كثر من الله حياءه امتنعت نفسه عن مبارزته بالمعصية ، إذ هو معه في كل مكان ، يسمع ويرى ، لا تخفى عليه من أمره خافية . فوقر الله في قلبك ، واملأ صدرك خوفا منه ورجاء ومحبة ، وحياء ، تكن أسعد الناس ، ومن خير الناس . وأما إن كنت عكس ذلك فقد استجمعت طرق الشر في نفسك ، والله المستعان ، وصدق القائل :

صلابة الوجه لم تغلب على أحد

                          إلا تكامل فيه الشر واجتمعا

أيها المسلمون : ذكر ابن القيم عن بعضهم أنه قسم الحياء أقساما :  

أحدها حياء الجناية ، كما في الأثر حين فر آدم في الجنة ، فقال له تعالى : أفرارا مني يا آدم ؟ قال : لا يا رب ، بل حياء منك .

وحياء مقصر ، فمهما عبد الله العبدُ فهو مقصر في عبادته ، ولهذا قالت الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، مع أنهم كانوا يسبحون الليل والنهار ، لا يفترون .

وحياء إجلال وتعظيم ، وهو على قدر معرفة العبد ربه ، فكلما زادت المعرفة ، زاد الحياء .

وحياء كرم وجود ، ويتمثل هذا الحياء فيه صلى الله عليه وسلم ، كما وصفه تعالى : إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منك . وذلك حين دعا قوما إلى وليمة زينب ، فأطالوا الجلوس . واستحيا صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالانصراف .

وحياء تقدير ، واحترام ، هيبة ، كما وقع من علي رضي الله عنه حين استحيا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأله عن المذي . لمكان ابنته منه .

وحياء ينبته استحقار النفس واستصغارها ، ومعرفة قدرها ، وهذا يتمثل في كل عبد يعرف ذنبه ، وضعفه ، وتقصيره . وحياء ينتج من المحبة ، فهو حياء محب من محبوبه .

وحياء شرف وعزة ، وهو حياء النفس إذا عظمت ، وعلت همتها ، فتستحي من بذلها وإن كان نفيسا ، ومن عطائها ولو كان كبيرا ، فهي لا تراه مما يعطى .

وحياء من النفس ، قال ابن القيم وأما حياء المرء من نفسه فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة ، الرفيعة ، من رضاها لنفسها بالنقص ، وقناعتها بالدون ، فيجد نفسه مستحييا من نفسه ، حتى كأن له نفسين ، يستحي بإحداهما من الأخرى ، وهذا أكمل ما يكون من الحياء ؛ فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أولى .

فاتق الله عبد الله ، وخف منه على قدر قدرته عليك ، واستحي منه على قدر قربه منه ، ونظره إليك . 

وصلوا على النبي الكريم .....

 


اضافة تعليق
عنوان التعليق:
اسمك:
بريدك الالكترونى:
التعليق:
 


D.B : lg.com.sa

جميع الحقوق محفوظة لفضيلة الشيخ عادل الكلباني