|
صفة الحج
اضيف بتاريخ : Nov 22, 2009
اضيف بواسطة :
صفة الحج
الجمعة ,,,,
الحمد لله ، هدانا للإسلام ، وفضلنا على جميع الأنام ، وفرض علينا حج بيته الحرام .
أحمده سبحانه ، حمد من عبده حق عبادته ، وآمن به ثم استقام .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ذو الجلال والإكرام ، الملك القدوس السلام ، يغفر الذنوب ، ويمحو الخطايا ، ويكفر السيئات ، والآثام .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وضع الله به عن الأمة الآصار والأغلال ، فجاءت شريعته ميسرة الأحكام ، بينة الحلال والحرام ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، الأفاضل الكرام ، المشهود لهم بالرضا في خير الكلام ، وسلم تسليما .
أما بعد ،، فاتقوا الله عباد الله ، ييسر لكم أموركم ، ويفرج عنكم همومكم ، ويشرح لكم صدوركم ، وتصلون بها إلى الجنة ، دار السلام .
أيها المسلمون : أسوق لكم باختصار شديد كيفية الحج إلى بيت الله الحرام ، مجتنبا خلافات الفقهاء ، وملخصا أقوال العلماء .
فمواقيت الحج الزمانية ، هي أشهر الحج ، شوال وذو القعدة ، وذو الحجة ، وقال بعضهم وعشر ذي الحجة .
وأما مواقيته المكانية فهي المذكورة في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : إن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشأم الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم ، هن لهن ، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، حتى أهل مكة من مكة .
وحد عمر رضي الله عنه ذات عرق لأهل العراق ، كما في البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا وإنا إن أردنا قرنا شق علينا قال فانظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ذات عرق .
فمن أتى ميقات بلده تجرد من ثيابه ، واغتسل – إن شاء – وتوضأ ، وتطيب في بدنه وشعره ، ثم لبس إزارا ورداء ، وتلبس المرأة ثيابها المعتادة ، الساترة ، غير الفاتنة ، ومن لم يجد إزارا ، فله أن يلبس السراويل . ومن لم يجد نعلا ، فله أن يلبس الخفين . ثم يحرم بعمرة ، أو بعمرة وحجا ، أو بحج مفردا . وله أن يتلفظ بالنسك ، ثم يلبي ويقول : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك . ويفضل أن يكون هذا بعد فريضة من الفرائض .
ثم يستمر في التلبية ، حتى إذا قدم مكة فيشرع له الغسل لدخولها ، إذا كان قد مضى على إحرامه وقت طويل ، فإذا دخل المسجد ، عمد إلى البيت فاستلم الحجر الأسود وقبله ، ولا ينبغي له أن يزاحم الناس ، فإن استطاع ، وإلا أشار إليه ، وبدأ طوافه ، جاعلا البيت عن يساره ، ويبدأ الطواف بالتكبير ، فإن زاد قوله بسم الله والله أكبر ، فلا بأس ، لوروده عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يدعو بما شاء أثناء الطواف ، حتى إذا وصل إلى الركن اليماني استلمه ، إن أمكنه ، وإلا تجاوزه من غير إشارة ، ولا يقبله ، ويقول فيما بين الركنين : ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار . ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى ، ويمشي في الأربع الباقة ويضطبع فيها جميعا ، والاضطباع هو إدخال أحد طرفي الرداء تحت إبطه ،فإذا أكمل سبعة أشواط ، نفذ إلى مقام إبراهيم ، فصلى ركعتين ، إن أمكنه ، وإلا صلاها في أي بقعة من المسجد ، والأفضل أن يجعل المقام بينه وبين البيت . واستحب بعض أهل العلم أن يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص ، قل يا أيها الكافرون ، وقل هو الله أحد . ثم يرجع إلى الحجر فيستلمه ، إن أمكنه ، ثم يخرج إلى الصفا ، فإذا دنا منها قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله ، فمن الحج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم . ثم يرقى الصفا ، ويقول بعد أن يستقبل القبلة ، ويرى البيت لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ثم يدعو بما شاء ، رافعا يديه ، يفعل ذلك ثلاثا . ثم ينزل إلى المروة ، فإذا انصب في الوادي ، وهو المعلم اليوم بالعلمين الأخضرين ، سعى ، أي جرى جريا خفيفا ، حتى إذا وصل المروة فعل مثل ما فعل عند الصفا ، ثم يرجع إلى الصفا ، هكذا سبع مرات ، فإذا انتهى عند المروة في الشوط السابع مضى ولم يدع . فإن كان متمتعا حلق أو قصر شعر رأسه ، وحل من إحرامه ، وإن لم يكن متمتعا بقي على إحرامه إلى اليوم الثامن من ذي الحجة .
أيها المسلمون : في اليوم الثامن من ذي الحجة ، يسن للمتمتع أن يفعل مثل ما فعل عند إحرامه للعمرة ، فيغتسل ويتطيب في بدنه ، ثم يلبس إحرامه من جديد ، ويلبي بالحج ، من مكانه الذي هو فيه . ويذهب إلى منى ، ويصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، كل صلاة في وقتها ، مع قصر الرباعية ، ويصلي فجر اليوم التاسع في منى ، حتى إذا طلعت الشمس ، انطلق إلى عرفة ، ويسن له أن يبقى في نمرة حتى تزول الشمس ، ويستمع إلى الخطبة إن تيسر له ، ثم يصلي الظهر والعصر جمعا وقصرا ، ثم يقف في عرفة ، وعرفة كلها موقف ، يدعو الله ويسأله ، ويتضرع إليه ، حتى تغيب الشمس ، فينفر إلى مزدلفة ، فإذا وصلها صلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، ثم يبيت في مزدلفة ، إلى أن يصبح ، فيصلي الفجر ، ويذكر الله عند المشعر الحرام حتى يسفر جدا ، ثم يدفع إلى منى ، فيرمي جمرة العقبة ، وينحر هديه ، ويحلق رأسه ، أو يقصر ، ويحل إحرامه ، ويغتسل ويتطيب ، ويأكل من لحم هديه ومرقته ، ثم يذهب إلى البيت فيطوف طواف الإفاضة ، ويسعى للحج ، ثم يعود إلى منى ، ويمكث فيها يوم العيد ويومين أو ثلاثة أيام بعده ، هو بالخيار ، لقوله جل وعلا : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه ، لمن اتقى .
ويرمي الجمرات في أيام التشريق ، الحادي عشر والثاني عشر لمن تعجل ، ويرمي في الثالث عشر إن تأخر .
يبدأ الرمي بالجمرة الصغرى ، يرميها بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، ثم يتنحى ، فيجعل الجمرة عن يساره ويرفع يديه ويدعو مستقبلا القبلة ، ثم ينصرف إلى الجمرة الوسطى فيرميها ، ثم يجعلها عن يمينه ، ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو ، ثم ينصرف إلى العقبة ، فيرميها ، وينصرف ولا يدعو . هكذا يفعل في أيام منى ، ويصلي الصلوات في أوقاتها ، لكنه يقصر الرباعية .
فإذا فرغ من الرمي يوم الثاني عشر أو الثالث عشر ذهب إلى البيت فطاف طواف الوداع ، ثم عاد إلى أهله ، مغفورة ذنوبه ، موعودا بالجنة ، فضلا من الله ونعمة ، والله ذو الفضل العظيم .
أمة الإسلام : هذا سياق الحج للمتمتع ، اخترته اختصارا ، وحتى لا تختلط المسائل على عامة الناس فإني أذكر لهم أشياء لا بد منها :
أولها : أنه لا فرق في أعمال الحج بين القارن والمفرد ، إلا أن القارن ينحر الهدي .
ثانيها : الفرق بين المتمتع والقارن هو أن المتمتع يحل من إحرامه بعد طوافه وسعيه ، ولا يحل القارن .
الثالث : من اضطر لقطع طوافه أو سعيه لغرض كأداء الصلاة المفروضة ، فإنه يتم من حيث انتهى ، ولا يلزمه أن يبدأ من جديد .
الرابع : الطهارة في الطواف مشروعة ، ثابتة ، لكنها ليست شرطا فيه ، ولا دليل على اشتراط الطواف ، وهكذا لا تجب الطهارة في السعي ، ولا عند الإحرام .
الخامس : لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في الملتزم .
السادس : لا تمنع المرأة من الجهر بالتلبية ، فلها أن ترفع صوتها بالتلبية ، كالرجل .
السابع : تكلم بعض المتعالمين فأنكر حج الإفراد ، وقد فعله كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، كالصديق ، وعمر ، وعثمان ، وغيرهم ، رضي الله عنهم . وعليه عامة الفقهاء ، وسائر العلماء .
الثامن : للضعفة والنساء أن يترخصوا ، فينفروا من مزدلفة بعد منتصف الليل ، ومرافقهم له حكمهم . ولهم أن يرموا جمرة العقبة حال وصولهم ، ولو قبل طلوع الشمس .
التاسع : للمحرم أن يغتسل ، وأن يحك رأسه ، وأن يغطي وجهه ، وليس له أن يغطي رأسه ، ولا أن يتطيب ، ولا يصيد ، ولا ينكح ، ولا يخطب ، ولا يجامع ، ولا يحلق الشعر ، ولا يلبس القميص ، ولا العمامة ، ولا السراويل ، ولا البرنس ، ولا ثوبا مسه الورس ، أو الزعفران . ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين .
العاشر : أن الدين لا يمنع من الحج ، فللمدين أن يحج ، ولا يلزمه استئذان الدائن ، ولكن الأولى في حقه أن يبدأ بقضاء دينه ، ليبرأ ذمته من حقوق الناس .
الحادي عشر : قال بجواز حج المرأة ، دون محرم ، ولكن مع رفقة من النساء يقوم عليهن أمين صالح ، مالك والشافعي وأحمد في رواية ، وعطاء ، وابن سيرين ، وقتادة ، والأوزاعي ، وهو اختيار شيخ الإسلام .
قال ابن المنذر : تركوا القول بظاهر الحديث ، واشترط كل واحد منهم شرطا لا حجة معه عليه . اهـ . وشروطهم تحكم بغير دليل ، والأولى شرط النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم . فقام رجل فقال : يا رسول الله ، إني كنت في غزوة كذا ، وانطلقت امرأتي حاجة . فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : انطلق فحج مع امرأتك . أخرجه الشيخان ، من حديث ابن عباس ، رضي الله عنهما . وأخرجا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم .
الثاني عشر : للحاج أن يرمي أيام التشريق في أي وقت شاء من ليل أو نهار . والأفضل له أن يرمي بعد الزوال ، وإلا فإن الصحيح أن أيام التشريق كلها وقت للرمي .
الثالث عشر : من وجب عليه الحج ، وأمكنه فعله ، وجب عليه على الفور ، ولا يجوز له تأخيره .
الرابع عشر : لا يرمل في غير طواف القدوم . ولا يشترط أن يرقى الصفا ، بل وصل إلى جزء يسير منه كفاه . وهكذا في المروة .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين .
بارك الله لي ولكم ...
الخطبة الثانية :
الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه .
أحمده سبحانه ، حمدا يوصل الحامد له به إلى رضوانه .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، تعظيما لشأنه ، ومنجية لي من عقوبته ونيرانه . وموجبة لي بحبوحة جنانه .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، دعى من أراد النجاة أن يعمل لها ، بقلبه ، وجوارحه ولسانه ، صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وإخوانه ، وسلم تسليما .
أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله ، واعلموا أن خير الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ،،، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة ، ومن شذ شذ في النار ، ثم اعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم ، وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم ، وقدموا عذركم ، واستعدوا للعرض الأكبر على الله ، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية .
أمة الإسلام : يقول الحق تبارك وتعالى : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين . ومن هذه الآية أذكركم ونفسي بان الحج تلبية لنداء الرحمن ، وتعرض لنفحاته ، وانطراح بين يديه ، وتملق بالزلفى لديه ، وهو عبادة عظيمة ، ركن من أركان الدين ، فأول ما ينبغي أن يعتنى به ، الإخلاص ، فإن الله تعالى لا يقبل عملا أشرك فيه معه غيره .
ولا بد من متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ، في جميع العبادات ، وهو القائل : خذوا عني مناسككم . فهذان شرطان لا بد منهما في سائر العبادات .
وينبغي للمرء أن يتعلم كيف حج النبي صلى الله عليه وسلم ، كيف طاف كيف سعى ؟ كيف وقف كيف رمى ؟
وينبغي له أن يختار صحبة صالحة تعينه على دوام الذكر ، وأداء المناسك على خير وجه ، وتعينه على تعظيم حرمات الله ، وشعائره .
ويجب عليه تجنب الرفث والفسوق والجدال ، وأن يحرص على عدم مضارة المسلمين ، خاصة في رمي الجمرات ، وفي الطواف والسعي .
ومن أهم ما ينبغي للحاج أن يتذكره ، وأن يبقيه نصب عينيه ، أنه قد قدم على رب جواد كريم ، بر رحيم ، فليقابله بتوبة نصوح ، وعمل صالح ، ولسان رطب بذكره ، يلهج بالتلبية ، ويدندن بالدعاء ، يسأله رحمته ، ويرجو أن يكون ممن يباهي بهم ملائكته ، يوم الوقف بعرفة ، يفشي السلام ، ويتجنب الآثام ، راجيا مؤملا أن يكون ممن رجع من حجه كيوم ولدته أمه ، فحجه مبرور ، وسعيه مشكور ، قد وجبت له الجنة ، وأعتق من النار ، فسأله رضاه والجنة ، فإنه قد ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة ، فيقول : ما أراد هؤلاء ؟
أترون أحدا في ذلك الموقف لا يريد رحمة الله ، ولا يتمنى مغفرته ، ولا يسعى لمرضاته ، ولا يكون أمله ، كل أمله أن يدخل الجنة ، وينجو من النار ، وأن ينعم في الفردوس رضى الله ، ورؤية وجهه الكريم ، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الوجوه الناضرة ، إلى ربها ناظرة . وأن يسعدني وإياكم ووالدينا سعادة لا نشقى بعدها أبدا ، إخوانا على سرر متقابلين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
|