طباعة المقال بعنوان : العفو


ارسلت بتاريخ :Feb 8, 2010
الكاتب :

 العـفـو

 

الجمعة 8 / شوال / 1425

 

 

الحمد لله الذي من صفاته أنه كان عفوا غفورا . خلق الإنسان من نطفة أمشاج يبتليه إما شاكرا وإما كفورا .

أحمده سبحانه ، وأشكره ، وأتوب إليه وأستغفره ، راجيا منه القبول ، ومعية من كانت الجنة لهم جزاء ، وكان سعيهم مشكورا .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يقبل التوبة عن عباده ، ويعفو عن السيئات ، وإن تك حسنة يضاعفها ، إنه كان حليما شكورا .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، عبد ربه وتقرب إليه بالفرائض والنوافل ، إنه كان عبدا شكورا . صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان ، يبتغي مرضاة ربه ليقيه عذاب يوم القيامة ويلقى نضرة وسرورا . وسلم تسليما .

أما بعد ،،، فتقوى الله يا عباد الله هي زادكم ليوم كان شره مستطيرا ، عبوسا قمطريرا ، فاتقوا الله حق تقاته ، إنه من يتق ويصبر ينجو من هول ذلك اليوم ، ويجزى جنة وحريرا .

أيها المسلمون : لما كان ابن آدم مجبولا على أن يخطيء وأن يضل ، وربما زلت به القدم ، وربما التبس عليه الحق فلم يهتد إليه ، كان من منة الله تعالى أن فتح له باب التوبة على مصراعيه ، ليتمكن من الولوج فيه مقبلا عليه ، متخلصا من وسوسة عدوه ، شاهرا سيف الاستغفار ، والندم ، والإقلاع ، منيبا إليه ، متذللا بين يديه ، ولهذا فإن من أسماء الله الحسنى ، وصفاته العلى أنه عفو يحب العفو ، تواب رحيم ، حليم شكور ، منان ودود ، القدوس السلام .

وقد جاء العفو في القرآن على معان عدة ، كلها يدور في محيط المحو وعدم ترك الأثر والزيادة في الخير .  يقول ابن القيم رحمه الله تعالى : في قوله جل وعلا : وإن الله لعفو غفور . قال : والعفو والمغفرة إنما يكونان عن الذنب .

ومن هنا فإنك لن تجد عفوا يعفو عمن لا ذنب له ، ولا تجد أحدا يغفر ذنبا غير موجود . فلا بد إذا من حصول الذنب ، ووقوع الخطأ ، وزلة القدم من المرء حتى يمن عليه بالعفو والمغفرة . ويعامل بالحلم والصبر ، ويتجاوز عنه . وهذا ما قرره كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، فمن ذلك قوله جل وعلا حاكيا حال التقي يبلغ الأربعين ، فيتذلل إلى مولاه بالدعاء ، سائلا متضرعا : رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين . فلما أعلن التوبة ، وأظهر الفقر والحاجة ، جاءت البشارة من الغفور الرحيم البر الكريم تخبرنا بما قابل الله ذلك الدعاء من حسن الإجابة وكريم العطاء فقال جل وعلا : أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون .

وفي الحديث عن ابن عباس ، وأنس بن مالك رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أن لابن آدم واديا من ذهب ، أحب أن يكون له واديان ، ولا يملأ فاهُ إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب . متفق عليه .

أيها المسلمون : إن الخطأ جبلة في ابن آدم ، كما أخبر بذاك المعصوم صلى الله عليه وسلم في قوله : كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون .  أخرجه الترمذي وابن ماجه ، وحسنه الألباني . فلما كان هذا شأن ابن آدم ، فتح الله له باب التوبة فلا يغلق دونه حتى يغرغر ،وندب أولياءه إلى الصفح عن الناس والعفو عنهم ، وحثهم على تجاوز أخطائهم فقال آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين . وفي تفسير العفو هنا أقوال ، اختار ابن جرير منها قول زيد ابن أسلم : أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين ، ثم أمره بالغلظة عليهم . قال ابن كثير رحمه الله تعالى : وفي رواية سعيد بن منصور عن هشام ، عن أبيه عروة ، عن أخيه عبدالله بن الزبير قال : خذ العفو . من أخلاق الناس ، والله لآخذنه منهم ما صحبتهم . وهذا أشهر الأقوال . ويشهد له ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا بالسند أنه لما أنزل الله تعالى هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا يا جبريل ؟ قال : إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك .

وعند أحمد في مسنده من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته ، فأخذت بيده فقلت : يا رسول الله ، أخبرني بفواضل الأعمال . فقال : يا عقبة ، صل من قطعك ، وأعط من حرمك ، وأعرض عمن ظلمك .

كما ذكر سبحانه أن المتقين من عباده ، هم الذين أعدت لهم جنات النعيم ، عرضها السموات والأرض وذكر من  صفاتهم : والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كظم غيظا وهو يقدر أن ينفذه ، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة ، حتى يخيره في أي الحور شاء . أخرجه الترمذي . وحسنه الألباني .    

 ولما قص الله تعالى علينا قصة أحد في سورة آل عمران ، وما كان سببا لهزيمة المسلمين ، وما أصابهم فيها من غم ومصيبة وجه حبيبه ومصطفاه لعلاج ذلك الخطأ من المسلمين بأنجع علاج وأفضل دواء فقال له : فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فاعف عنهم واستغفر لهم .

فما أحسن العفو من كرام الرجال ، وما أجمله حين يكون عن قدرة على إنفاذ الوعيد ، ويد تمسك بزمام الأمور . كما كان من أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وهو من هو في قوته وشدته وعزيمته ، لدرجة جعلت الشيطان يخشى أن يواجهه ، فلم يره يوما سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجه ، أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم ،،، فقد قدم عيينة بن حصن ، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته ، كهولا كانوا أو شبانا ، فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي ، لك وجه على هذا الأمير ، فاستأذن لي عليه . قال : سأستأذن لك عليه . قال ابن عباس : فاستأذن الحر لعيينة ، فأذن له عمر ، فلما دخل عليه قال : هي ، يا بن الخطاب ، فوالله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل . فغضب عمر حتى هم أن يوقع به ، فقال له الحر : يا أمير المؤمنين ، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين . وإن هذا من الجاهلين . والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقافا عند كتاب الله عز وجل . أخرج هذه القصة البخاري في صحيحه .  

أيها الأحبة : لقد كان العفو من شيم العظماء ، وتاجا فوق رؤوس الأقوياء ، لا أقوياء البدن ، والجسم ، بل الأقوياء الذين يملكون أنفسهم من تنفيذ شهوة الانتقام ، أو تحقيق رغبة الإذلال ، وتأملوا ذلك الموقف العجيب ، بين مظلوم وظلمته ، يجمع بينهم القدر ، والمظلوم في أوج عزته ، وسنام قوته ، ذلت له البلاد ، واعترف بفضله الحاضر والباد ، وقلب القدر قِدر الظالم وكفأ صحنه ، فعظه الفقر ، ونال منه الجوع ، وتنكرت له الأيام ، فاجتمع الظالم بهذه الحال ، مع المظلوم في تلك الحال ، بيد أن الظالم لم يعرف أن من بيده هلاكه ، أو نجاته ، من يملك أن يضيعه أو يجمع شتاته ، هو نفسه ذلك المظلوم ، قاده ظلم الظالم له إلى أبعد مما يتصوره عقل الصالحين ، أو تتصوره حتى  عقول الظالمين .

هذا الظالم أخذ ذلك المظلوم وهو لم يزل غلاما ، فالقاه في قعر بئر بعيد ، فالتقطته سيارة فابتاعته ، وبيع وهو سيد ، كريم ابن كريم ابن كريم ابن الخليل ، الحليم الأواه المنيب . وكان ما كان من ابتلاء له بفتنة هي أشد الفتن على الرجال ، فاستحق من ينجو منها خوفا من الله أن يظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ، وما تلا ذلك من اتهام وسجن . فلما أعزه الله ونصره ورفعه ، جمعه بمن ظلمه فقررهم بفعلتهم  فأقروا ، وقال : تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين . فحق له أن ينتقم ، حق له أن يبطش بهم ، أن يسومهم سوء العذاب ، أن يذلهم ، أن يفعل بهم أضعاف ما فعلوه به ، ولو فعل والله ليس بملوم ، والله لو فعل لكان مصيبا ، ولكنها النفس الأبية ، نفوس الأنبياء ، صفوة الخلق ، وقدوة الأتقياء ، نفوس المؤمنين الذين اصطفاهم الله فكانوا له أولياء . فتأمل يا رعاك الله كيف تطبق تعاليم فاطر الأرض والسماء ، قال لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين .

سبحان الله ، ما هذه القوة ؟ سبحان الله ، ما هذه القدرة ؟ كيف استطاع يوسف أن يكظم غيظه ، والله أعلم ، لم يكن ابتلاء يوسف بامرأة العزيز إلا ليتمكن من هذا الموقف ، فلما قدر أن يكبت شهوته ، ويلجم نفسه بلجام التقوى مع قولها له هيت لك ، وتوفر الأسباب ، ولو فعل فليس بملوم ، لما استطاع أن يكتم الهوى هناك كانت قدرته على لجم نفسه من شهوة الانتقام تماما كما لجمها عن شهوة الجماع بالحرام .

وهذا الموقف يقال بصيغة أخرى عن حبيب القلوب وطبها ، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم حين نصره الله وأعزه ، ورفعه ، وانطلق مؤذنه يعلو سطح الكعبة المشرفة ليؤذن فيها بالتكبير ، وإعلان الشهادتين ، وبيان ما تحمله هذه الدعوة من الفلاح والنجاح ، فجمع الله بينه وبين محاربيه ، وطارديه من بيته وموطنه ، جمعهم بين يديه أذلة صاغرين ، ينتظرون ما يأمر به من قتل أو سجن أو تشريد أو تعذيب أو قل ما شئت من أنواع التشفي وإذهاب غيظ النفس ، وحق لها لو فعلت ، ووالله ليس بملوم ، ولكن دوت تلك الكلمة في عبق التأريخ ، تعلن للناس أجمعين أنه المبعوث رحمة للعالمين ، لا ليسفك دماءهم ، ولا لينتقم منهم ، ولا ليجبي أموالهم ، بل جاء بالهدي ليهديهم ، وبالنور ليبصرهم ، وبالحق لينقذهم من نار تلظى . فقال لهم : يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم  قال : فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته : لا تثريب عليكم اليوم . اذهبوا فأنتم الطلقاء .

وهذا هو العفو حقا ، فالعفو : ترك المؤاخذة بالذنب  والصفح : إزالة أثره في النفس . وقد عفا صلى الله عليه وسلم وصفح الصفح الجميل . ممتثلا قوله تعالى : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده . 

الله أكبر ، حين يكون العفو وأنت قادر ، متمكن ، فتبرز قوتك على نفسك أكثر من قدرتك على إنفاذ وعيدك ، أو تحقيق شهوة انتقامك ، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب . مخرج في الصحيحين ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

قال ابن رجب رحمه الله تعالى في شرحه لوصية النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له أوصني . قال لا تغضب ، فردد مرارا قال : لا تغضب . قال رحمه الله : يحتمل أمرين : أحدهما : أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والسخاء والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى ، والصفح والعفو وكظم الغيظ ، والطلاقة والبشر ، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة ، فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفعَ الغضب عند حصول أسبابه .

والثاني : أن يكون المراد : لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك ، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به ،؛ فإن الغضب إذا ملك شيئا كان الآمر الناهي ، ولهذا المعنى قال الله عز وجل : ولما سكت عن موسى الغضب . إلى أن قال رحمه الله : وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله : وإذا ما غضبوا هم يغفرون . وبقوله عز وجل : والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس . ا هـ .

أيها الأحبة : قال صلى الله عليه وسلم : وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا  . أخرجه مسلم . وفيه وجهان : أحدهما أنه على ظاهره ، وأن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب ، وزاد عزة وكرامة . والثاني : أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك .

وقال يحيى بن أكثم : كان المأمون يحلم حتى يغيظنا .  وعن المأمون أنه قال : غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة . وقد قال له خالد الوزير في عمه إبراهيم بن المهدي ، وقد كان خرج عليه فقال له خالد : يا أمير المؤمنين ، إن قتلته فلك نظراء ، وإن عفوت ، لم يكن لك نظير .    

قال المهلب بن أبي صفرة : ما شيء أبقى للمُلك من العفو . خير مناقب المُلك العفو . قال الذهبي : ينبغي أن يكون العفو من الملك عن القتل إلا في الحدود ، وأن لا يعفو عن وال ظالم ولا عن قاض مرتش ، بل يعجل بالعزل ويعاقب المتهم بالسجن ، فحلم الملوك محمود إذا ما اتقوا الله وعملوا بطاعته .

قال المنتصر حين عفا عن أبي عمر الشاردي : لذة العفو أعذب من لذة التشفي ، وأقبح فعال المقتدر الانتقام .

وفي صحيح الجامع : إن الله عفو يحب العفو .

وتأمل أخي الحبيب قول المأمون : لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إلي بالجرائم ، وأخاف أن لا أؤجر فيهم .

وخير منه قول ربنا تبارك وتعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها ، فمن عفا وأصلح فأجره على الله ، إنه لا يحب الظالمين . ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل . إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض يغير الحق أولئك لهم عذاب أليم .  ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور .

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ...

 

 

 

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله العزيز الغفور ، الحليم الشكور . توعد العصاة من عباده بالويل والثبور ، ووعد المتقين بجنات كسوتهم فيها ثياب من سندس ، وأزواجهم قاصرات الطرف حور . 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يعلم وسوسة الصدور ، وإليه ترجع الأمور . إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه ، والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وحامل لواء الحمد يوم ينفخ في الصور ، ويبعثر ما في القبور ، ويعلم كل معرض عن هديه إن كان إلا في غرور .  صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم وترسم هديهم ، بإحسان لا يتردد ولا يحور . وسلم تسليما .

أما بعد ، فوصيتي لنفسي ولكم تقوى الله ، فهي الذخر الذي يبقى ، وزاد لا يبلى ولا يفنى ، فعليكم بتقوى الله في السر والنجوى ، فقد ثبت كتابا وسنة وواقعا أن من يتق الله يجعل له من أمره يسرا .

معاشر المسلمين : إن العفو من أعظم مكارم الأخلاق ، التي بعث عليه الصلاة والسلام ليتممها ، ولا يصدر العفو إلا عن حليم ، والحلم والأناة خصلتان يحبهما الله تعالى كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس .

وكان عليه الصلاة والسلام أعظم مطبق لهذه الخصلة الجميلة من محاسن ألأخلاق ، فإنه عليه الصلاة والسلام لما قسم غنائم حنين قال رجل : ما أريد بهذه القسمة وجه الله . فبلغه عليه الصلاة والسلام هذا القول ، فلم يزد على أن قال : لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر . أخرجاه . فأي حلم بعد هذا من بشر ؟ أي عفو أفضل من هذا وهو على الانتقام قد قدر ؟ وليست هذه هي الأولى ، وليست هي الوحيدة فما أكثر قصص حلمه وعفوه صلى الله عليه وسلم ، يقول ابن مسعود رضي الله عنه : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة ، فنظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثر بها حاشية البرد من شدة جبذته ، ثم قال : محمد ! مر لي من مال الله الذي عندك . فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ، ثم أمر له بعطاء .

قال عبدالله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : لقد جعلت الميت في حل من ضربه إياي . ثم قال : مررت بهذه الآية : فمن عفا وأصلح فأجره على الله . فنظرت في تفسيرها ، فإذا هو ما أخبرنا هشام بن القاسم ، أخبرنا المبارك بن فضالة قال : أخبرني من سمع الحسن يقول : إذا كان يوم القيامة جثت الأمم كلها بين يدي الله رب العالمين ، ثم نودي أن لا يقوم إلا من أجره على الله ، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا . قال : فجعلت الميت في حل . ثم قال : وما على رجل أن لا يعذب الله بسببه أحدا .

معاشر المسلمين : يقول تبارك وتعالى في قصة الإفك بعد أن افترى على الصديقة من افترى ، وغضب أبو بكر رضي الله عنه على مِسطَح بن أثاثة ، فحلف ألا ينفعه  بنافعة بعد ما قال في عائشة ما قال ، فنزلت فيه هذه الآية : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ، وليعفوا وليصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . أي إن الجزاء من جنس العمل ، فكما تغفر عن المذنب نغفر لك ، وكما تصفح عن المسيء نصفح عنك ، قال الصديق رضي الله عنه : بلى ، والله إنا نحب يا ربنا أن تغفر لنا ، ثم رجع على مسطح ما كان يصله من النفقة . وقال : والله لا أنزعها منه أبدا . لأنه كان قال : والله لا أنفعه بنافعة أبدا .

وفي الحديث : ما من جرعة أعظم أجرا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله . رواه البخاري .

قال ابن عباس : من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو فأجره على الله أي إن الله يأجره على ذلك وهذا من محاسن الأخلاق ومن أجل ضروب فعل الخير .

فاتقوا الله عباد الله وليكن لكم أسوة حسنة برسول الله ، وعلموا العفو والحلم ، وليكن من أهم دروس الشهر الكريم أن من تضرع إلى الله داعيا ، وتزلف إليه بالصيام ، وتقرب منه بالقيام ، وتملقه بالصدقة وإطعام الطعام ، إنما فعل ذلك كله ليعفو عنه مولاه ، وليغفر له ذنوبه ، ويستر عن خلقه عيوبه ، فليعف هو وليصفح ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ، والراحمون يرحمهم الرحمن ، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان .

ألا وصلوا على الرسول الكريم ....