طباعة المقال بعنوان : حرمة الدماءارسلت بتاريخ :Feb 8, 2010 الكاتب : |
|
حـرمـة الـدمـاء
الجمعة 12/ صفر / 1428
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون .
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا .
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما .
أما بعد ،،، فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
أيها المسلمون : في يوم هو من أعظم أيام الدنيا ، وفي موقف هو من أعظم مواقف الإسلام ، وفي بقعة هي أقدس بقاع الأرض ، وعلى مسامع أناس ، هم أتقى ، وأفضل القرون ، وخيار الناس ، وقف أعظم إنسان ، وخير خلق الله تعالى ، وأتقاهم ، وأخشاهم ، بأبي هو وأمي ، صلوات الله وسلامه عليه ، وقف خطيبا ، ويا له من خطيب ، قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه ، قال : أي يوم هذا ؟ فسكتنا ، حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه ، قال : أليس يوم النحر ؟ قلنا : بلى ! قال : فأي شهر هذا ؟ فسكتنا ، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، فقال : أليس بذي الحجة ؟ قلنا : بلى ! قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ليبلغ الشاهد الغائب ؛ فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه . أخرجه الشيخان ، ولمسلم عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات ذو القَعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان، ثم قال أي شهر هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ! قال : فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال أليس ذا الحجة ؟ قلنا بلى ! قال : فأي بلد هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ! قال : فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس البلدة ؟ قلنا : بلى ! قال : فأي يوم هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ! قال : فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس يوم النحر ؟ قلنا بلى يا رسول الله ! قال : فإن دماءكم وأموالكم - قال محمد : أحد الرواة - وأحسبه قال : وأعراضكم ، حرام عليكم كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا ، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، فلا ترجعن بعدي كفارا ، أو ضلالا ، يضرب بعضكم رقاب بعض ، ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه .
ففي هذا شبه صلى الله عليه وسلم تحريم الدماء ، والأموال والأعراض ، بحرمة يوم النحر ، وحرمة مكة ، وحرمة ذي الحجة ، فإن الله تعالى وحده ، هو الذي حرمها ، وهو الذي عظمها ، فاجتمعت حرمات بعضها فوق بعض ، حرمة مكان وحرمة زمان .
وفي خطبته تلك ركز الحديث صلى الله عليه وسلم على حقوق الآخرين ، من حفظ دمائهم ، وأموالهم ، وأعراضهم ، وليس ذلك إلا لأن حرمتها جد عظيمة ، حتى إنها لا يغفرها الله إلا أن تعاد تلك الحقوق إلى أهلها ! فلو استغفر المرء عمره كله عن دينار أخذه ظلما وعدوانا ، أو مال أكله بالباطل فلا يغفر الله له حتى يعاد ذلك الدينار إلى صاحبه ، وتلك الأموال إلى أهلها ، أو يتحللهم فيحلونه .
وحقوق الناس لا تكفرها المصائب ، ولا الهم والحزن والغم والنصب ، ولا فقدان ولد ، أو مرض أو شوكة يشاك المرء بها ، ولكن يكفرها إعادة الحقوق إلى أهلها .
بخلاف حق الله تعالى ، فإن ذلك مكفر لها ، حتى إن المرء ليمشي على الأرض ما عليه خطيئة مما أصابه وعوقب به في دنياه من مصائب وغيرها .
أيها المسلمون : حقن الدماء ، وصيانة الأعراض ، وحفظ الأموال من أهم ما جاء به الدين الحنيف ، وشرعه الله تعالى في كل دين وفي كل شريعة ، وفي كل ملة ، بل لقد أطبق عليها كل العقلاء في كل زمان ومكان .
وجاءت نصوص الوحيين كتابا وسنة بهذا ، واتفق عليه علماء الإسلام في كل العصور ، فلا يخالف في ذلك أحد .
ومن هنا فإن من كانفي قلبه مثقال ذرة من إيمان يعلم يقينا أن للدم الإنساني حرمته ، التي قررها الله في كتابه ، بعد أن ذكر قصة ابني آدم ، في سورة العقود ، التي جاءت فاتحتها محذرة ومنذرة : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ، قال الضحاك : ما أحل الله وحرم ، وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب ، أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام .
وحرمة الدم عموما حرمة معلومة من الدين بالضرورة ، كما نص على ذلك قوله جل وعلا : من قتل نفسا يغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا .
وحرمة دم المؤمن أشد وأعظم ، كما نص على ذلك جل وعلا في سورة النساء : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ، وقال سبحانه في الآية بعدها : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ، وأعد له عذابا عظيما . وهذا من أشد الوعيد ، والتهديد الشديد ، وبيان لعظم هذا الذنب ، الذي قرنه الله بالشرك في غير ما آية من كتابه ، كما في قوله : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون . وفي قوله : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق . وقال في آخر الآية : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون . وفي ذلك آيات كثيرة ، وأحاديث كثيرة أيضا منها قوله صلى الله عليه وسلم : أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء . وهو مخرج في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه . وقال عليه الصلاة والسلام : لا يزال المؤمن مستعفى صالحا ، ما لم يصب دما حراما ، فإذا أصاب دما حراما بلح . رواه أبو داود . ومعنى بلح : أي انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرك ، ومعناه أنه وقع في الهلاك بإصابته الدم الحرام . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم . رواه الترمذي . وروي في حديث آخر : لو اجتمع أهل الأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار .
وكان ابن عباس رضي الله عنهما لا يرى توبة لمن قتل مؤمنا متعمدا . قال : هذه من آخر ما نزل وما نسخها شيء . رواه عنه مسلم وغيره . قال سعيد بن جبير : سألت ابن عباس عن قوله : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم . قال : إن الرجل إذا عرف الإسلام ، وشرائع الإسلام ، ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ، ولا توبة له ، فذكرت ذلك لمجاهد فقال : إلا من ندم . أخرجه ابن جرير في تفسيره .
وعند أحمد في مسنده ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن عباس ، أن رجلا أتاه فقال : أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا ؟ قال جزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما . قال : لقد أنزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال : وأنى له بالتوبة ؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ثكلته أمه ! رجل قتل رجلا متعمدا ، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره ، وآخذا رأسه بيمينه أو شماله ، تشخب أوداجه دما في قُبل العرش يقول : يا رب سل عبدك فيم قتلني ؟
والذي عليه الجمهور أن له توبة فيما بينه وبين الله تعالى . لكن لا بد مع التوبة من إنابة وخشوع وخضوع ، وعمل صالح ليبدل الله سيئاته حسنات . فإن فعل عوض الله المقتول ممن ظلمه ، وأرضاه حتى لا يطلبه ، وآية الفرقان خبر لا ينسخ .
أمة الإسلام : إن الحديث عن حرمة الدم المسلم ، والدم المستأمن ، وعموم دماء بني آدم ، لا جديد فيه سوى التذكير بالنصوص الواردة ، وبالآثار المحفوظة ، وقد قال تعالى في سورة العقود : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ، ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . قال مجاهد وعطاء وأبو العالية ، ومطرف ، وعبدالله ابن عبيد ، والربيع بن أنس ، ومقاتل ، وقتادة يعني بذلك التجارة . يعنون قوله تعالى : يبتغون فضلا من ربهم .
فتأمل هذه النصوص وغيرها ، كقوله صلى الله عليه وسلم : من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما . أخرجه البخاري . تنجلي لك الحقيقة ناصعة ، وتدرك أن مخالفيها قد وقعت عليهم باقعة ، وأنهم على خطر عظيم إذا وقعت الواقعة .
فثبت بهذه النصوص مرادنا من تحريم قتل النفس التي حرم الله ، إلا بالحق ، والحق كما جاء مفسرا في قوله صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة . رواه مسلم .
فإذا كانت المسألة بهذا الوضوح فاعلم أن مشكلة هؤلاء القتلة ، ليست في النص وجودا وعدما ، ولكن مشكلتهم تكمن في فهم النصوص الموجودة المحفوظة ، ومعرفة مراد الشارع فيها ، ومن يخاطب بها ، ومقيداتها ، ومطلقاتها وغير ذلك مما يدركه أهل العلم ، ورثة الأنبياء .
ولكن لما كان القوم لا يأبهون للعلماء ، ويتهمونهم في ذممهم ، ويرون أنهم عملاء للسلاطين ، ويضللونهم سألوا الجهال فأفتوهم بغير علم فضلوا وأضلوا . فمصيبتهم في جهلهم بمعان النصوص ، وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته التي بدأت بها إذ قال : ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه .
فقد يسمع الحديث أناس لا يفقهونه ، ويعرض على من أراد الله به خيرا فقهه في الدين فيعلم مراد الشارع منه ، ويزمه بمقاصد الشريعة ويرد متشابه النص إلى محكمه ، فتتسبين له السبيل ، ويتضح له الدليل .
فليس لمرتكبي جريمة القتل الشنيعة قرب المدينة النبوية ، ليس لهم ثمة مبرر شرعي ، بل ولا عقلي ، ولا عرفي ، فهي جريمة نكراء بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ، وبكل ما تصوره من ألم يعتصر قلب كل مؤمن يرى استحلال دماء المسلمين قد أصبح ديدنا لا للكافرين ، ولا للمشركين ، ولكنه أصبح غاية لمن ينتسب إلى المسلمين ، ويزعم زورا وبهتانا أنه يفعل ذلك إرضاء لرب العالمين ، زين لهم سوء أعمالهم ، والله لا يهدي القوم الظالمين .
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، فكم من مختلط عليه الحق بالباطل فلا يفرق بينهما ، فهم في طغيانهم يعمهون ، وفي ضلالهم يترددون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ....
الخطبة الثانية :
الحمد لله ر ب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الملك الحق المبين .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، سيد الأولين والآخرين ، ورحمة الله للعالمين ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ، ومن سار على نهجهم ، واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين . وسلم تسليما .
أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله ، واعملوا أن سفك دم المسلم حرام ، أعظم من حرمة البيت العتيق .
إخوة الدين والعقيدة : أجبرنا الحدث على إعادة الحديث ، تذكيرا وتأصيلا ، فنود أن نذكر هنا أن قتلة الأبرياء ، وسفاكي الدماء ، ومتبعي الأهواء لا ينقصهم الدليل ، فالأدلة عندهم معلومة ، ومهما أتيتهم بدليل فلن يقنعهم ، ولو كان أوضح من الشمس في رابعة النهار ، فالذي ينقص القوم التسليم والإخلاص ، لجميع النصوص ، لا لبعضها ، ينقصهم التجرد من الهوى ، ينقصهم أن يعلموا الحق فيعملوا به ، لأن عنادهم قائده الهوى ، وتسيره المصلحة ، حتى وإن بدت في ظاهرها جهادا وتضحية ، فهي في حقيقة أمرها إفساد وضلال ، فليس في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم قتل الأبرياء ، ولا ترويع النساء ، بل فيه عكس ما فعل هؤلاء ، فيه الصفاء والنقاء ، فيه حرمة الأعراض والأموال والدماء . وحرمة الدم المسلم عند الله عظيمة ، لا بالنظر إلى جنسه أو جنسيته .
فبكل صدق ويقين ، مهما كان دافع القوم في قتلهم للآمنين والمستأمنين ، فهو مخالف للدين ، فإن كان من أجل قطع الطريق عليهم فهو محاربة لله ورسوله وسعي في الأرض بالفساد ، وإن كان باسم الجهاد والإصلاح فإن الجهاد بريء مما يفعل هؤلاء المجرمون ، فهم في حقيقة الأمر بغاة ، أو قطاع طريق ، أو خوارج ، وأبعد وصف عنهم أن يوصفوا بالمجاهدين ، أو أن يكونوا من المصلحين ، أو الدعاة المخلصين ، مع التأكيد على أنا لا ننكر الجهاد ، بل نعلم يقينا أنه ذروة سنام الإسلام ، فنحن نرى الجهاد ونعتقده ، ولكن بشروطه وضوابطه المذكورة عند أهل العلم ، لا بالأهواء ، ومخالفة الدليل .
وصلوا على المبعوث رحمة للعالمين ، إن الله وملائكته ... |